Tunisiennes d’aujourd’hui
نساء الجيل الجديد

الصفحة الأساسية > عربية > المرأة و المجتمع المدني > الديمقراطية... ونصف المجتمع؟

المــرأة و التـــرشــح إلى الإنتــخــابـات:

الديمقراطية... ونصف المجتمع؟

الخميس 21 أيار (مايو) 2009

ليلى الحمروني الشعبوني

اعتقد أن اوساطا واسعة من الديمقراطيين تتفق اليوم على أن الديمقراطية ليست نظاما جاهزا ومكتملا يتم اعتماده، بل هي بناء مستمر يستدعي تجنيد الطاقات الفكرية والثقافية وسعيا سياسيا مستديما لبناء صرح المؤسسات وتحقيق مشروعية دولة القانون.

وتواصل مختلف الدول التي قطعت أشواطا هامة في بناء نظامها الديمقراطي والمسألة لم ولا تتعلق فحسب باعلانات المبادئ والمواقف الداعية لتكريسها والمتعلقة بحقوق الانسان وضمان الحريات والنداءات للمساواة بقدر ما تعلقت بالسعي الى ايجاد الاشكال والآليات القانونية والمؤسساتية لتكريس هذه الحقوق وهذه الحريات.
وفي هذا الباب، كثيرا ما تبينت حدود التمشيات التي تقوم على مبدإ الكل واللاشيء، واعتماد سياسة "المقعد الفارغ"التي هي في حقيقة الأمر مواقف تكرس الترقبية او الاستقالة.

والمفارقة الكبرى التي يشهدها العالم لمكانة ما فتئت تتدعم للنساء في مجالات النمو الاقتصادي والعمل الجمعياتي والابداع العلمي والفني ومحدودية صارخة في مشاركاتها في الحياة السياسية وتموقعها في مراكز القرار، لذلك تأكد الاتجاه الساعي الى معالجة هذه المسألة لدى الاوساط الديمقراطية الواسعة في مختلف المواقع ولدى الجمعيات النسوية الفاعلة والمنظمات الدولية بما فيها منظمة الأمم المتحدة.

ويمثل التمييز الايجابي أحد التمشيات والتي تم اللجوء اليها لدى الانظمة ولدى مؤسسات المجتمع المدني على حد السواء
فما هو المقصود من التمييز الايجابي؟ وما هي منطلقاته الفكرية؟

لقد ظهر هذا المفهوم عندما تطرق الفكر النسوي وعلماء الاجتماع الى خصوصية القضية من خلال مقارنة النوع الاجتماعي أو ما يطلق عليه مقاربة "الجندر" وهو صيغة من صيغ معالجة التمييز والحيف في المجتمعات الديمقراطية. وفي البدايات لم يكن هناك اجماع او اتفاق حول ايجابيات هذا التمشي ويرتبط في اعتقادي بتناقضات تتعلق بمدى استجابة الجوانب القانونية للطموحات القوية المعبرة عنها من خلال مؤسسات المجتمع المدني حتى لدى الدول أكثر ديمقراطية، فهي اذن تعبير عن مواقف متقدمة لنقائص مسجلة في مستوى تمثيلية الأقليات، كالأقليات العربية والدينية والجنسية أي ما نسميه اليوم بالنوع الاجتماعي، وهي تنطلق من المبدإ الأساسي التالي.

المساواة مع غير المتساو ين هي مساواة شكلية

اذا لا يمكن اعتبار مبدإ التمييز الايجابي حيفا مسلطا ضد الرجال ولا امتيازا يمنح للنساء بل انه يدخل ضمن الاسراع لتحقيق المساواة بين الجنسين واعتماد الاليات لتكريس تغيير المجتمع، ويتجسد هذا المبدأ بتطبيقات لآليات تنتهي بانقراض الفوارق القائمة وعند انتشار التربية على المساواة التي تتحول الى واقع ثقافي.

"الكوتا" والتناصف

لقد شملت مسألة التمييز الايجابي مجالات عديدة باستخدام وسائل وآليات مختلفة واعتماد نصوص قانونية تسعى الى الحد من السلبيات القائمة والمرتبطة بتراكمات تاريخية وثقافية تزن بثقلها بصورة متفاوتة من مجتمع الى آخر، ومن أهمها نشير الى نظام الحصص أو الكوتا والتناصف.

فبالنسبة للكوتا، يتعلق الأمر بتحديد نسبة مائوية أو تحديد حد معين أدنى في مجال المشاركة في هيئات التسيير المهني والسياسي وفي مواقع اتخاذ القرار. ويعتبر هذا الاخير في المؤسسات الدولية والهيئات التابعة للأمم المتحدة من أهم مؤشرات التنمية

والمسألة طبعا تتعلق بالحدود القائمة لقوانين تضمن المساواة ولواقع لا يمكّن من تحقيق هذه المساواة بحكم احتكار الرجل للمواقع التي تُتخذ منها قرارات الانتداب أو الترشيح أو التعيين داخل مؤسسات الدولة وداخل الاحزاب وبقية المنظمات والهيئات.

وفي هذا المجال ظهرت آليات اخرى لتحقيق المساواة الفعلية تتمثل في اعتماد مبدإ التناصف الذي يقر بضرورة التساوي في نسب التمثيلية في الهيئات المشار اليها.

ولكن هل يمكن اعتبار التناصف نفسه نظاما متساويا ومتطابقا مع نظام الكوتا؟

لا يعتبر عدد هام من المحللين ذلك صحيحا اذ أن فلسفة التناصف مختلفة تماما في بحثها عن المساواة الكاملة، فهي تسعى الى تجاوز كلي للتمييز وهي تشكل اذن مرحلة متقدمة وربما مكتملة بالنسبة للكوتا الذي يمثل مرحلة انتقالية في اتجاه المساواة. ودون الاطالة حول هذه المسائل المرتبطة بالمفاهيم أؤكد أن نظام الكوتا ما هو الا تدبير مؤقت يدخل في نطاق التمييز الايجابي يمكّن من دفع النساء بطريقة ادارية ليتم تدارك التمييز التاريخي الحالي، لأن المساواة مع غير المتساوين هي قائمة على مبدإ المساواة في المطلق والمساواة في المطلق لا معنى لها لأن المبادئ اذا كانت غير قابلة للتطبيق في الواقع تبقى في النهاية مبادئ جوفاء

تجارب الكوتا في العالم

أول ما نلاحظه أن هذا النظام يجتاح العالم وأصبح يعتمد في أغلب الدول، غير أنه يجب الانتباه الى أمرين. الأول يتعلق بتنوع انظمة الكوتا واختلافها والثاني يتعلق بتفاوت كبير في هذه النسب ولا يخضع التقسيم فقط الى الاعتبارات التي تعتمد الثروة المادية في ترتيب الدول.
فهناك مبدأ الكوتا المفروض قانونا وقد يشمل ذلك دستور البلاد أو قوانين اخرى نجده مثلا في الأرجنتين وكوستاريكا ورواندا ولكن في بلجيكا ايضا وبفضله حقق عدد هام من الدول نسبا مرتفعة لمشاركة المرأة في الحياة السياسية والتمثيلية البرلمانية.

وهناك نظام الكوتا في القوانين الداخلية في الاحزاب، وتتميز التجربة الفرنسية في تطبيقها لمبدإ التناصف وان اختلف المحللون في تقييم هذه التجربة.

وفي الكثير من الاحيان يحتد الصراع داخل الاحزاب حول الاتفاق على اعتماد الكوتا وحتى الاتفاق حوله لا يضمن تنفيذا فعليا له نتيجة تعطيل الاجراءات التنفيذية. وتجدر الاشارة الى ما قامت به أمريكا اللاتينية منذ التسعينات لاقرار هذا المبدإ من تحول من 20. الى 40. من مشاركات نسائية في الانتخابات الوطنية حققت الارجنتين 40. وطبعا نجد في المقدمة السويد بنسبة 47.3. بتطبيق كوتا الاحزاب ـ فلندنا 42. دون اللجوء الى الكوتا ـ الدانمارك 36.9. دون اللجوء الى الكوتا المقننة.

واجمالا فإن تطبيق هذا المبدإ في العالم بشكل أو باخر وخاصة في مجال التمثيل البرلماني يعطينا الارقام التالية.
بلدان شمال أوروبا. 41. ـ أمريكا بأكملها 21. ـ آسيا 16.

وفي أوروبا فان نظام الحصص يهدف الى ضمان حقوق نسبة نساء تتراوح بين 30 و40. حتى تشكل أقلية نقدية دنيا، أما بالنسبة للعالم العربي فهو يحتل المرتبة الأخيرة بنسبة تقدر بـ10. وهذا المعدل المتدني يخفي واقعا متفاوتا بصورة ملحوظة من دولة الى أخرى وحتى في صلب المجموعات الاقليمية ذاتها كالشرق الأوسط ودول الخليج والدول المغاربية. ولا شك أن هذا التفاوت يطرح اشكاليات كبيرة فيما يتعلق بالتعاون والعمل المشترك العربي خاصة آن الفوارق في التوجهات وفي الاطروحات واضحة وتمشي المنظمات والاحزاب داخل السلطة وخارجها يختلف من دولة الى أخرى لذلك كثيرا ما تقف الاجتماعات المشتركة في حدود الاعلانات العامة عن المبادئ.

التجربة التونسية

فيما يتعلق بالمعالجات التي حظيت بها المسألة في الاوساط السياسية والمنظمات الاجتماعية لاحظنا اختلافا واضحا في التوجهات من جهة وفي المكانة التي خصصتها مختلف الاطراف وكذلك في مستوى أسلوب التعاطي والاستخدامات والتوظيف من جهة اخرى، فالسلطة نجدها مقيدة لاعتبارات من اهمها. الارث التاريخي، المكتسبات التي تحققت منذ الاستقلال، الواقع الاجتماعي ومكانة المرأة، الاستقرار الاجتماعي ومكانة الخلية العائلية، الاهداف الانتخابية، علاقة الحزب الحاكم بالدولة وموقع المرأة..

غيرأن السؤال الذي يبقى مطروحا. كيف لنا أن نؤكد الايجابيات المسجلة ضمن هذا التمشي الذي يعتمد في نفس الوقت التوظيف السياسي والانتخابي والبعد النسوي؟ فبناء المجتمع الديمقراطي الفعلي يقر بخصوصية مشاركة النساء في اطار ضمان الحريات العامة، لأن تأمين الحياة السياسية هو شرط ضروري للانخراط فيها.

أما المنظمات، فان هي تجاوزت على ما يبدو ما كان سائدا لدى البعض من ربط لهذه القضية بقضايا أخرى أعم تتعلق بحقوق الانسان أو بالمطالب الديمقراطية فانها بقيت مع ذلك منحصرة في الاعلانات العامة وفي الاستحقاقات المناسباتية، ويتعلق ذلك بالاحزاب والمنظمات الاجتماعية على حد السواء، غير أني اعتقد أن الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه منظمة جماهيرية عريقة ساهمت في تحقيق استقلال البلاد وبناء أسس الدولة، هي مدعوة لمساهمة أفضل ونستغرب غياب العنصر النسائي في قيادته.

والدعوة موجهة للجميع للبحث المتواصل لدعم مشاركة النساء وتوسيعها وتسهيل ذلك لأنه مهما كان اعتمادنا لنظام الحصص مثل ما أقره التجمع الدستوري الديمقراطي في لوائحه الداخلية من تخصيص 30. من قوائمه الانتخابية للنساء، فإن معالجة التمييز تصعب علما بالمعوقات العائلية والثقافية والمهنية.. وعلما ببعض سلبيات نظام الكوتا نفسه الذي يعتبره البعض متناقضا مع المبدإ العام للمساواة في الفرص أو تناقضا مع الديمقراطية التي تعتبر أن الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة للاختيار، كما أن الكوتا تعتبر من وجهة نظر اخرى انتخابا للنساء بوصفهن ككفاءات وهو نوع من الاستنقاص..

لكن الايجابيات لا تقل عن هذه السلبيات بل تمثل حوافز هامة لتدارك الحيف وتقليص الضغط الحاصل لهن كأقليات في الهيئات..

وعندما تتقارب المرجعيات الفكرية والايديولوجية لدى أوساط واسعة ساعية للانخراط الخلاق في حداثة تساير الممكن وتستجيب الى الطموحات لا بد أن يتأكد السعي للبحث عما يجمع أغلبية واسعة قد تبدو مختلفة وحتى متصارعة من أجل تحقيق تغييرات محدودة في الظاهر لكن عندما تزن بميزان ثقل الموروث تتحول الى مكاسب جوهرية في مجال تحقيق المساواة ومكافحة التمييز والظلم الذي مازال مستحكما في مجتمعاتنا العربية حيث تستمر دعوات المنادين بالعودة الى السلف الصالح باسم الدفاع عن الهوية والخصوصية.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose