Tunisiennes d’aujourd’hui
نساء الجيل الجديد

الصفحة الأساسية > عربية > صور من المجتمع > عندما يكره التوانسة السيدة الفاضلة !!

عندما يكره التوانسة السيدة الفاضلة !!

الجمعة 4 آذار (مارس) 2011

كريمة مكي العماري

في ثورة غير مسبوقة في العالم، أسقط شعب تونس رأس نظامه فسقطت معه من كانت تعتبر رأس الحربة فيه تلك التي يعتبرها التونسيون المسؤولة الأولى عن فساد البلد في كل تجلياته. ليلى الطرابلسي بن علي اسم صارت تلعنه ألسنة التوانسة علنا بعد أن كانت تتمتم بكرهها أفئدتهم و هي تنتظر معجزة تزيحها من أمامهم و من فوق رؤوسهم خاصة بعد أن بدأ التلميح يتواتر عن أنها تتهيأ لتمسك بيدها رأس الحكم في تونس بعد زوجها.

هي التي لم تكن تعرف كما يقولون سوى الإمساك بمجفف الشعر لتسريح رؤوس حريفاتها " ليلى الحجّامة - أي الحلاّقة- تحكم فينا و قريبا تصبح رئيسة علينا !" هكذا كان يتأسف أغلبهم و هو يجاهر بسخطه المكبوت لمن أمنهم من الأهل أو الأصحاب. لكن هل هي مهنتها الأصلية أم أصلها المتواضع أم طموحها الذي فاق الجشع بأميال هو ما جعل التوانسة ينقمون عليها و يودون الانتقام منها بلا رحمة؟

لقد فعلت ليلى الطرابلسي خلال حكم زوجها و خاصة في سنواته الأخيرة كل ما في وسعها لكسب ود و تقدير الشعب فعملت على تجميل صورتها الخارجية أمام جمهورها حتى نافست في هذا الشأن مطربات لبنان الشهيرات فظهرت في صورها الأخيرة المرقعة بتقنية الفوتوشوب و كأنها في العشرين و ليس في الخمسين من العمر و قد صدر الأمر للصحف حينها بألا يعتمدوا غير هذه الصور و ألا ينشروا لها صورا قديمة قد يبدو منها ترهل وجهها أو رقبتها أو أي أثر من آثار الزمن التي تخشاها كل امرأة غبية لا يعنيها سوى ما يراه الناس بأعينهم و هي لا تدري أن ما يراه الناس فعلا هو ما تعكسه نفسية الإنسان على ملامحه من صفاء السريرة أو تلوثها.

كما عملت من جهة أخرى على تلميع صورتها الأخلاقية فحرصت على أن يسبق اسمها لقب السيدة الفاضلة سعيا منها لمحو الفكرة الرائجة عنها لدى عامة شعبها بأنها لم تكن قط كذلك على الأقل في المفهوم السائد للفضيلة في المجتمع فقد كان الجميع يعلم أنها كانت في علاقة سرية ببن علي حين كان متزوجا و لقد أنجبت ابنتها الأولى منه قبل أن يتم الزواج بينهما بخمس سنوات إضافة إلى ما كان يُعرف عن علاقتها الخاصة جدا برجل الأعمال فريد مختار الذي توفي في حادث غامض منذ أكثر من عشرين عام و يقال أن بن على هو من دبر حادثة موته ليمحو سر علاقة ليلى الطرابلسي به و هي الرواية التي جاء ذكره في كتاب "حاكمة قرطاج" الذي توفر الآن بالمكتبات التونسية بعد طول منع.

على صعيد آخر قامت ليلى بن علي بما تقوم به عادة زوجات الرؤساء من أعمال خيرية بل ربما زادت عن المألوف و أكثرت من فعل الخير و أطنبت في الدعاية و التطبيل له فلقد أسست جمعية لتشغيل المعاقين وثانية لمرضى السرطان وأخرى سمّتها أمهات تونس و عدد كبير آخر من الأعمال الخيرية التي لم تنطلي على أحد من مواطنيها بل لم تزدد النقمة عليها إلا لهيبا في النفوس خاصة لما تولت رئاسة منظمة المرأة العربية و استغلت ذلك المنصب الفارغ من كل قيمة حقيقية لترسم من خلاله ملامح صورتها المستقبلية كمشروع رئيسة لتونس بعد أن ترث منصب زوجها في انتظار أن يكبر ولدها الوحيد ليتسلم مشعل الحكم و كل ذلك من أجل حماية مصالح العائلة إلى ما لا نهاية.

و يتذكر التونسيون كيف أن الصورة المأخوذة لها في أحد اجتماعات المنظمة المذكورة صارت تتصدر أخبار نشاطها في التلفزيون و في الصفحات الأولى للجرائد الرسمية حيث يتم التركيز على عبارة الرئيسة المكتوبة أسفل الصورة و ذلك من أجل أن تتقبل أذهان التونسيين شيئا فشيئا فكرة رئاستها للبلاد خاصة و أن الفكرة جديدة في الدول العربية و إن لم تكن كذلك في عديد البلدان الإسلامية كأندونيسيا أو الباكستان حيث تتولى النساء الرئاسة الفعلية للبلاد من خلال منصب رئيسة الوزراء.
إذن فعلت السيدة الأولى كل ما في وسعها لنيل رضا شعبها لتمضي في مشروعها إلى النهاية لكن لا شيء مما فيها أو مما فعلت جلب لها حب الشعب فلا جمالها و لا أناقتها و لا أعمالها الخيرية و لا حملاتها الإعلامية لتسويق صورتها كربة أسرة صالحة تعتني بشؤون بيتها في أدق تفاصيلها فتظهر في التلفزيون و هي ترافق ابنها الصغير إلى المدرسة أو وهي تقدم القهوة بنفسها لزوجها في مكتبه بالبيت.

لا شيء من كل هذا جعل التوانسة يحبونها بل كانوا في أعماقهم يحقدون عليها حقدا كبيرا. ربما قد يُفهم أن كل من تتزوج رئيس دولة هي امرأة محسودة لا محالة و دائما ما يجد لها حاسدوها عيوبا شتى يلصقونها بها مهما حسنُت أوصافها لكن ليلى بن علي وجدت إجماعا في كره الشعب لها و استهزاءه المكتوم من كل ما تقول أو تفعل و اليوم و بعد أن خرجت من الحكم زاد السخط عليها و الرغبة في الانتقام منها بعدما اكتشفه التوانسة عن ثروتها الخيالية التي نهبتها هي و عائلتها من مال الشعب الذي يئن أكثره تحت وطأة البطالة و ضنك العيش و لقد تأكد لهذا الشعب الذي لم يحبها منذ البداية أن إحساسه كان صادقا في أنها لم تكن أبدا صادقة معه فكل ما كانت تفعله مما يبدو أنه خير كان لأجلها و ليس لأجله و كان من السهل عليه أن يستشعر ذلك خاصة من خلال خطاباتها الطويلة المملة و أسلوب قراءتها البارد المنفر حتى أنه نادرا ما ينتظر أحدا خطاب لها أو حتى ينهي سماع ما تتلوه عليه من كلام ليست بكاتبته ولا بمقتنعة بما يجيء فيه.

فقد كانت تتكلم كثيرا عن حقوق النساء و لكنها لم تكن تلك الناشطة السياسية المؤمنة حقا بقضية المرأة التي هي قضية الإنسان بشقيه من أجل العيش بحرية و كرامة و لأنها لم تكن كذلك فقد كانت إساءتها إلى نساء تونس كبيرة من حيث قد تكون توقعت العكس إذ نقم رجال تونس على نساءها نقمة عظيمة بعد أن صدّقوا أن حرية المرأة في بلدهم تجاوزت كل الحدود و أن حقوقها تجاوزت حقوقهم و هي طبعا كذبة كبيرة و إساءة فهم للوضعية الحقيقية لنساء تونس اللاتي لازلن يعانين من الميز الجنسي في أسوأ تجلياته و ذلك رغم عديد الحقوق التي أقرها لفائدتهن السياسي المتنور الحبيب بورقيبة و التي حافظ عليها خلفه بن علي من ضمن ما حافظ عليه من مكتسبات البورقيبية عندما فهم أن في السير ضد المسار الواقعي للتاريخ و التراجع عن الحقوق بعد إقرارها تهديد صارخ لدوام حكمه. بقي أن كره الشعب لزوجة الرئيس بن علي كان بالأساس مسألة عاطفية لعب فيها الإحساس الدور الأول.

فقد كرهها لأنها كانت امرأة كاذبة في مشاعرها تجاهه و للشعب حاسة عظيمة يكشف بها كذب حكامه و حاكماته إذا ما أرادوا خداعه فإما أن يطردهم من مملكة قلبه أو يبادلهم حبا بحب و لنا المثال في زوجة رئيس الأرجنتين السابق الأسطورة " ايفا بيرون " هذه المرأة التي أحبها شعبها حبا لا يوازيه حب رغم أنها جاءت من وسط فقير جدا و رغم أنها كانت طفلة غير شرعية و رغم أن زوجها الذي صار فيما بعد رئيسا قد تعرف عليها في دار للدعارة و رغم كل ذلك فقد كانت معبودة الشعب الأرجنتيني و خاصة فقراءه الذين أحبتهم بصدق فلم تمثل عليهم الحب و لم تدعي أمامهم الفضيلة و لم تشعرهم بالتكرم عليهم بالأعطيات بل كانت تحنو عليهم و تعانق حتى المصابين منهم بالجذام كما تعانق أُم أولادها و كانت تأخذ من الأغنياء لتعطيهم لذلك حين ماتت و هي في عز شبابها طالب شعبها من الفاتيكان رفعها إلى مرتبة القديسة هي التي دفعها الفقر في يوم ما إلى ممارسة الدعارة لكن صدقها و صدقها وحده هو الذي جعل الشعب يغفر لها كل زلاتها حتى أنها و بعد موتها و خروج زوجها من الحكم أراد الحاكم الجديد للأرجنتين تشويه صورتها فأطلع شعبها على ممتلكات هائلة كانت تخفيها قائلا بأن هذه الأموال سرقتها ايفا بيرون من الشعب حين كانت توهمه بأنها تخدمه و تعطيه حتى من مالها الخاص لكن ذلك لم يغير شيئا من نظرة الشعب إليها بل إنه قال بصوت واحد :" إنها ايفيتا حبيبتنا فلتأخذ ما تشاء و سنظل نحبها إلى الأبد".

و هكذا فان الشعب هو من يصنع أسطورته إذا ما صدقها و ليس ماكينات الدعاية و البروباغندا التي جندتها ليلى بن علي طوال زواجها بالحكم لتنصب نفسها سيدة تونس الأولى رغما عن قلب شعبها لكن ها هو الشعب بعد طول صبر و معاناة يقلب حكمها و يقرر لها أسوأ النهايات.

إن وصول المرأة إلى موقع القرار الفعلي و إن كان بطريق غير مباشر هو حدث نادر في بلاد العرب لذلك فان من تتضافر لها الأقدار لتحكم و لو من وراء حجاب عليها أن تعطي من نفسها و من روحها و من كل ما فيها دون حساب ذلك أن الخطأ أيا كان نوعه ليس من حقها لأنه سيكون بمثابة الجناية في حق جنس النساء المكروه عند العرب دون سبب و المتهوم حتى دون تُهم و ليلى بن علي أساءت الحكم إساءة بالغة حين أطلقت عائلتها لتنهب تاريخ تونس و جغرافيتها نهبا محموما فكان أن كرهها الشعب كرها جما و كان أن دخلت التاريخ كأسوأ الحاكمات و كذلك تجني من حيث قد لا تدري بعض النساء على النساء...

**كريمة مكي العماري

— إرسال عبر الموقع نســـــــاء الجيـــــــل الجــديــــد (http://nissa.aljil-aljadid.info/) –

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose