Tunisiennes d’aujourd’hui
نساء الجيل الجديد

الصفحة الأساسية > عربية > المرأة و المجتمع المدني > متى سيقتنعون؟ ومتى ستدركن؟

متى سيقتنعون؟ ومتى ستدركن؟

متى سيقتنعون؟ ومتى ستدركن؟

الجمعة 16 كانون الأول (ديسمبر) 2016

بقلم الأستاذة نائلة السليني

ومتى سيفهمون أنّ المرأة اليوم لم تعد تشبه امرأة الأمس ولا تلك المرأة التي كان الشعراء يتغنّون بها ويصفونها " بنؤوم الضحى".. وإذا تحرّكت فهي تمشي" لهاثا هيدكر"؟ متى يرفعون ويرفعن عن عقولهم وعقولهنّ حجاب الوهم بأنّ أفضل النساء من عاشت في " قصر مرصود"؟... متى يرفعون عن أعينهم حجاب الرفض بأنّ ما نعيشه هو أفضل العصور؟ وعلينا أن نعطيه حقّة كاملا ولا نسقط عليه أشباح الماضي؟

هل يعلمون أنّ العبودية أبطلت؟ وأنّ المرأة هي الكائن الوحيد الذي ظلّ يعاني أساليب من الاستعباد وأصنافا من الاسترقاق حرام نقدها أو المطالبة بتغييرها ..

المرأة اليوم تعيش عهدا زنيما.. عهدا جمع بين المتناقضات: بين مقومات الحداثة والاستسلام إلى قيود التراث التي تتحكّم في العقول.. فالمرأة اليوم كادحة وعاملة.. مطالبة بأن تخرج ليلا لتنتج وفي أكثر الأحيان تنهض باكرا للحقول والمعامل وقد تترك زوجا نائما أو أبا أو ابنا أو أخا ومتلذّذا لدفء الغطاء.. لكن ليس لهذه المرأة أن تتأوّه أو تئنّ، وليس لها أن تشكو.. بل ليس لها أن تطالب بحقّ اكتسبته، وعليها أن تندرج وهي العاملة ضمن منظومة قديمة رسمتها مقاربة فقهية كانت لا ترى في المرأة سوى ذلك الكائن الكسول والمتخاذل والمستعدّ للنكاح في كلّ حين، لأنّ وظيفتها الأساسية هي الإنجاب والإكثار من النسل.. أمّا العاملة فهي ذلك الشيء المقتنى ويسمَّى " بالأمة" أي العبدة.. هي مال ولا شيء غير المال.

فالغريب أن تجمع المرأة اليوم بين الكدّ والإنجاب وعليها إلى جانب ذلك أن تجمع بين الخضوع والذلّ وقبول قوامة الرجل عليها.." سباقة وجراية وما تاكلش الشعير".. أي في اختصار أن تدفن عقلها وميولها وأن تبتلع لسانها فتكونَ المرأةَ المثالية.. هذه هي الصورة الجديدة لامرأة اليوم.. ومن حاولت الخروج عن الخط المرسوم وطالبت بمبادئ ترتقي بها إلى مراتب الإنسانية فهي " سائبة" ، تجب مقاومتها وإحكام لجامها، ومن حاولت فرض حضورها في مجتمع رجالي، فهي " عاهرة" تجادل وتناقش، لأنّهم تعوّدوا على أنّ المرأة الشريفة هي الصابرة الصامتة.

تلك هي المقدمات التي يجب أن نضع فيها قضايانا نحن النساء، حتى لا نرمى بقوانين ليست نابعة من وضعنا الاجتماعي الحقيقي.. فهذه المسلّمات يستحضرها جميع افراد المجتمع وبدون استثناء رجالا كانوا أو نساء وتظلّ بمثابة القيود التي تحفظ بقاء الرؤية الذكورية في تعاملها مع الأوضاع الجديدة التي تعيشها المرأة. وعندما أقول نساء فأنا أعني أيضا البنت الصغيرة / الطفلة التي تبدأ رحلة التمييز منذ بداية حياتها، تمييزها عن أخيها وعن زميلها، تمييزها في قاعة الدرس عندما يسعى البعض ممن يدرّسون إلى فصلها عن زميلها الذكر في الدراسة.. وتبدأ الأوامر تنزل على نفسها البرئية نزول الحجارة: فالضحك الكثير ممنوع، والحديث بصوت مرتفع محرّم ، وحذار أن تجادل ذكرا فهذا يسيء إلى صورتها، وإذا مشت فلا بأس أن تستعير صورة المرأة القديمة في ارتباكها وحيائها لأنّ ذلك من مظاهر عفّتها وخفرها، ولباسا يقيها عين الذكر فتلهب غريزته.. على البنت منذ صغرها حماية هذا المخلوق المفضّل من جميع المغريات وخاصّة حمايته من نفسها لأنّها هي الجامعة للمغريات كلّها، وإذا وقع مكروه فهي السبب والجانية. ولنحمد الله أنّنا في تونس لا نعاقب المغتصَبة مثلما يقام الحدّ عليها في بعض البلدان الأخرى. لذلك ترون أن الشعور بالذنب مستبطن في المرأة منذ أن تولد، وهي المسؤولة عن كلّ شيء، وإن لم توجد لها مسؤولية فعليها هي أن تبتدعها، وإلاّ فسترها أفضل وفصلها عن الذكور أقوم الحلول .. وتظلّ طيلة محطّات حياتها وهي تحاسب نفسها ، وإن حدث لها أن ثارت ورفضت وصرخت مثل الرجال فالويل لها، جميعهم بنسائهم ورجالهم يصوّبون نحوها أفانين من السبّ وتقصى مثلما يقصى البعير الأجرب.
لذلك يا سيداتي وسادتي لا تثيرنّ فيكم الحيرة ما حكم به القاضي على ابنة الثلاثة عشرة ربيعا. وبقطع النظر عن التعليلات التي تستأنس بالقانون، ولن ندخل في جدل المواقعة أو الغصب، لأنّ طفلة في هذه السنّ ليست بدليلة في إيقاعها بشمشوم، فالذعر إذا تمكّن بالإنسان يجعل منه فريسة ذليلة بين مخالب وحشها المفترس فما بالك بطفلة ، أي صبية تستهين بكلّ شيء ويغريها اللطف خاصّة في مجتمع ينصّب الرجل ملكا آمرا.. فالقاضي ينطلق من مجتمع لم يتخلّص بعد من منطلقات الأعراف ومن مقولة الشرف.. وحذار فالمرأة صغيرة كانت أو كبيرة هي وحدها حمّالة شرف العائلة والعشيرة، وإن وقع الذكر في المحظور وأهدر الشرف فذاك نتيجة تهاون المرأة.

لا يهتمّ القضاء بمآل هذه الطفلة الضحية بقدر ماهو يسعى إلى أن يضمّد الخدش الذي طرأ على الانسجام الاجتماعي. لا يهمّه مصير هذه البنت ولم يكتمل عقلها ، ولم ترشد تصرّفاتها.. بما أنّ الزواج سيبكم الأفواه، وخاصّة أنّ المواقعة قد تمتّ " برضاها" كما يعلّل المحامون. أدخلوها حريم السلطان باكرا واختطفوا براءتها، منعوها من أحلام الطفولة.. صحيح أنّ عشيرتها قد غضبت لكنّها غضبت لنفسها وقدمت الطفلة قربانا في معبد الذكور.. يقولون الزواج أفضل الحلول لكن متى استقام زواج كان منطلقه إنقاذ الشرف؟ يقولون حفاظا على حياة آمنة للجنين؟ وكيف ستستقيم حياة رضيع تسهر على تربيته طفلة؟ آه عفوا نسيت أنّهم ينطلقون في أحكامهم من أنّ هذه الطفلة مسهمة في الجريمة، فهي سبب الغواية، مثلما كانت حوّاء سببا في غواية آدم وعليها أن تعاقب ولا يهمّ ما يمكن أن يكون قد ترسّب في نفسيتها من عقد نتيجة تجربة غريبة عن سنّها.

مفارقة عجيبة نعيشها في عصرنا: كيف لنا أن نقبل بقوانين القرن الماضي، قوانين الخمسينات ، عندما كانت المرأة تعيش ظروفا تختلف اختلافا تامّا عن عصرنا، ونطبّقها على المجتمع في عصرنا الحاضر، عصر يعيش ديناميكية تفرضها ظروف اقتصادية واجتماعية متغيّرة. فالقوانين يجب ان تسهم في تغيير المجتمع، وتقديم الفريسة هدية إلى الجاني ليروي ظمأه منها لم يعد حلاّ.. وإن كان بعض القضاة ملتزمين بحرفية النصوص، حتى وإن أكل عليها الدهر ولم يشرب، فما علينا نساء ورجالا سوى المطالبة بنسخها، حتى نرسي قوانين تتناسب مع روح المجتمع المتغيّرة، ومع الوضع الجديد الذي صارت المرأة تعيشه.

هذه الطفلة في حاجة إلى متابعة نفسية وإلى عناية ومعالجة، على الأقل أن نسعى إلى تذليل الصعوبات التي ستواجهها في قادم أيامها.. هي في حاجة إلى من ينصت إليها بحثا عن انسجام عاطفي يرسيه المختصّ في نفسيتها، وهذه هي وظيفة مؤسسات حماية الطفولة. على القاضي أن لا ينسى اتفاقية " حقوق الطفل" التي أمضت عليها تونس في سنة 1990 ،وكانت من أوائل الدول التي رحّبت بهذه الوثيقة. فالإساءة الجنسية تندرج ضمن شكل من أشكال العنف في المادة 19 من الاتفاقية. وهذه الطفلة هي ضحية إساءة جنسية ماكرة.

صدّقوني، فالقوانين التي لم تعد ترتقي إلى مكانة المرأة كثيرة، وعلى الجميع من أهل القانون والفكر أن تتعاضد جهودهم لجمعها وتحليل مرجعياتها ثمّ تغييرها.

كلمتي في الأخير أوجّهها إلى المرأة: لا يوجد شخص غيرك قادر على حمايتك. فمصيرك ومصير ابنتك وحفيدتك بيدك وحدك، ولا تنتظري من الرجل أن يقوم بالعمل بدلا عنك، من المفروض أن يساندك وذاك ليس بالقليل، لكن سلامة هذا المجتمع وإنقاذه ليس سوى بأيدينا نحن النساء.. واليوم الذي تقتنع فيه المرأة بهذا المسار الحتمي نكون قد تجاوزنا عقبات كثيرة. فرجاء مدّي إليّ يدك حتى نحمي اجيالنا من مخاطر ظاهرة ولا تسعى سوى إلى التقية والتستّر.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose