Tunisiennes d’aujourd’hui
نساء الجيل الجديد

الصفحة الأساسية > عربية > المرأة و المجتمع المدني > المساواة و المرجعية اللائكية

المساواة و المرجعية اللائكية

الخميس 20 آذار (مارس) 2008

منية العابد

محامية لدى التعقيب

با لرجوع إلى أدبيات الحركة النسوية يمكن تصنيف المباىء الأساسية التي اعتمدتها مند نشأتها الى ثلاثة مبادئ أساسية و هي كالآتيي: مساواة، حرية، عدم تمييز.
و لئن تعددت الحركات النسوية الرافضة لوضع المرأة الدوني فان هذه المبادئ تبقى القاسم المشترك بينها. فهي تهدف إلى الارتقاء بوضع النساء و تدعيم مركزهن الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي وفي هذا السياق يتبنى الفكر النسوي نظرية نقدية تعمل على تغيير المجتمع و تسعى للتخلص من الأفكار المسبقة و النمطبية التي تستمد جذورها من الموروث الثقافي التمييزي في المجتمعات الابوية .
و لا ينحصر هذا الفكر في حركة واحدة أو مدرسة واحدة بل يتبنى فلسفات و إيديولوجيات مختلفة منها الليبرالية و الاشتراكية و الماركسية.... و بمجرد تحليل كل هذه الأطروحات و التعبيرات نستنتج أنها تلتقي في مواجهتها للتعصب و .الجمود الفكري الذي يبرر، بطرق مختلفة باسم الثواب العقائدية و الدينية، الهيمنة الذكورية .
و لأن مبادئ المساواة و الحرية و عدم التمييز تحتاج إلي ضمانات و آليات دنيا فان الحركة النسوية تجد في النظام أللائكي الركيزة الأساسية لتحقيق الهدف و ذلك بإر ساء المجتمع المتوازن بين أفراده نساء و رجالا دون تمييز. فماذا نعني باللائكية و ما هي طبيعة العلاقة القائمة بين الفكر النسوي و الفكر اللائكي؟.

- ماذا نعني باللائكية ؟

اللائكية مصطلح اقترن تعريفه بالثورة الفرنسية و هي نظرية سياسية تقوم على فصل الدين عن الدولة بمعنى أن الدولة لا تمارس أي سلطة دينية و في المقابل فان السلطة الدينية لا تمار س بدورها أي سلطة سياسية. من خلال هذا التعريف الأولي و المتداول يبدو أن هذا النظام يقوم على نظرية رادكالية تفصل بصفة واضحة بين مجالين في المجتمع، لكن في الواقع لا تقف هذه النظرية في حدود هدا التعريف السطحي. فالأمور أكثر عمقا و لها ابعاد فلسفية تنفي الجمود و تتطور كممارسة و كفكر بارتباط بمسألة جوهرية إأا و هي قضية الديمقراطية و الحرية و من هذا المنطلق يبدو بديهيا أن العلاقة في تكامل وثيق و يحقق رؤية شاملة و متطورة للحداثة و للمعرفة الإنسانية و للوضع الإنساني بصفة عامة.

- طبيعة العلاقة بين الفكر النسوي و الفكر اللائكي

انطلاقا من وضعية اللامساواة للنساء في المجتمعات الأبوية - سواء كان ذلك على مستوى القوانين والتشريعات او على مستوى التمييز الذي يسلط على النساء في جميع المجالات في المجتمع من خلال ثقافة ذكورية تفرض سلطة الذكور و تمارس ولاية القاصر على النساء - فان النظام اللائكي من شأنه ان يدعم موقع النساء في المجال العام و الخاص دون تمييز انطلاقا من مبدأ المساواة و الحرية لكافة المواطنين مهما اختلف جنسهم أو دينهم أو لونهم. و لا يمكن التطرق لللائكية دون ربطها بمسالة الديمقراطية و الحرية، حرية الفرد كمواطن، دون التعريف بالحقوق الفردية و حقوق المواطنة وذلك بقطع النظر عن الجنس و الدين و اللون. و بالتالي فلا بد للتشريعات و القوانين الوضعية ان تترجم هدا الخيار دون الرجوع الى المسألة الدينية حتى لا تكون وضعية النساء رهينة تشريعات "دينية" قابلة للتأويل بطرق مختلفة و متعددة لا تخدم مصالح النساء. فالدول العربية الإسلامية تستند في قوانينها إلى قراءة معينة للشريعة الإسلامية و تقوم هذه الاحكام على مبدأ القوامة و تكرس علوية الرجال على النساء وتستمد شرعيتها من تأويلات النص الديني بارتباط بالثقافة التمييزية. و حتى ما نسميه بالاجتهاد في التأويل وفي الدفاع عن واقع النساء و عن حقوقهن غالبا ما يخدم في نهاية المطاف السيطرة الذكورية... و لعل أبرز مثال على هذا هو التجربة التونسية التي يمكن اعتبارها دون احتراز رائدة في مجال الأحوال الشخصية بالمقارنة بالتشريعات في البلدان العربية والإسلامية الأخرى. فمنذ صدور هذه المجلة كما تم تنقيحها عديد المرات - خاصة تنقيح 1993 -حصل إجماع ما يقارب نصف قرن على اعتبار أحكام هذه المجلة متطورة و قد بينت هذه التجربة ان للارادة السياسية دورا هاما في فرض شبه قطيعة مع التشريع الإسلامي التقليدي اذ سجلنا بصفة واضحة وجود نفس تقدمي و حداثي من خلال إلغاء تعدد الزوجات و و اجب الطاعة و الزواج المبكر، كما نصت المجلة على مبدأ حرية الزواج و نظمت شروط و أحكام التبني و الطلاق القضائي.

في الواقع جاءت هذه الأحكام حسب اعتقادنا لتذلل الفوارق و التمييز المسلط ضد النساء. فهي قواعد تحديثية نمثل لا محالة خطوة ايجابية و لكنها لا ترسم القطيعة مع أحكام التشريع الاسلامي المعهود بل تعتمده الشريعة مجال الإرث و يبقى الزوج رئيس العائلة، كما يصر المشرع في الفصل الثالث من مجلة الأحوال الشخصية على ابقاء المهر كشرط من شروط البناء ولا ينعقد الزواج الا برضا الزوجين و يشترط الزواج إشهاد شاهدين من أهل الثقة. لقد تم الحتفاظ بتسمية مهر للزوجة، و يعرف المشرع المهر باعتبار أن كل ما كان مباحا و مقوما بالمال تصلح تسمينه مهرا و هو على ملك المرأة (الفصل 12 من نفس المجلة)، كما يواصل المشرع في نفس الاتجاه اذ يوضح أن الزوج لا يحق له أن يجبر المرأة على البناء اذا لم يدفع المهر حسب منطوق الفصل .13 فهذا الالحاح و الاصرار على تعريف المهر واعتباره شرطا لصحة العقد و استعمال لفظة "يجبر" يدل على تحقير المرأة و التعامل معها كسلعة لا كفرد و ذات بشرية. و يبقى للعرف و العادة المستمدين من التشريع الإسلامي التقليدي مجالل هام للتأويل. فالرجوع للعرف و العادة كمصادر قانونية يفتح المجال للتاويلات التي بامكانها أن تهدد كل هذه المكاسب المذكورة أعلاه.

- مرجعية حقوق الإنسان

إن الحداثة التي تستمد شرعيتها من المعرفة الانسانية و النقد البشري و الفكر الحر، هي نتاج تاريخي يتماشى مع متطلبات العصر و مفاهيم ثقافة حقوق الانسان. فالالتزام بمرجعية حقوق الانسان و الحقوق الإنسانية للمرأة هي مرحلة ضرورية في حاجة للدعم. إن المرجعية التي تكرس مبدأ الحرية و المساواة بالضرورة مختلفة عن المقاييس و التشاريع الدينية المعمول بها، فعلى الصعيد الدولي نلاحظ أن الدول العربية الاسلامية و إن سجلت انخراطها و مصادقتها على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق النساء، فإنها أبدت تحفظات على بعض البنود الهامة و الجوهرية نخص بالذكر منها الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء. كما أن الدولة التونسية أبدت تحفظاتها على البنود التي اعتبرتها لا تتماشى مع أحكام مجلة الأحوال الشخصية المستمدة من التشريع الاسلامي(الفصول 9 و 15 و 16 و المتعلقة بحقوق النساء داخل الاسرة و ازاء الاطفال و حرية الزواج). و هكذا يتمادى التمييز و تبقى اللامساواة قائمة الذات باسم "الثوابت الدينية" الغير القابلة للنقاش و التطوير.

إن شعار الحملة الاقليمية التي خاضتها الجمعيات النسوية المستقلة في المجتمعات العربية الإسلامية تحت عنوان "مساواة دون تحفظ" تؤكد مرة أخرى أن المساواة القانونية بين النساء و الرجال لا يمكن أن تتحقق في كل المجالات إلا باعتماد القانون الوضعي المكرس لمبدأ الحرية و المساواة و عدم التمييز. وهو يحتاج الى دعم الفكر الحر و التعددي من خلال تطور الفكر الإنساني و نضج فكرة نزع القداسة عن التصور السائد الموروث الديني والاعتراف بقيمة المعرفة الإنسانية لأن التمييز ضد النساء في جميع المجالات لم يعد له اي موجب باعتبار ان جميع التبريرات المستندة للتقاليد و العادات والنظرة الجامدة اطقوس الدينية و العقائية تقف حاجزا أمام الحداثة... ورفعا لكل التباس لابد من التذكير بان اللائكة لا تنفي الدين و لا تعاديه بل تضمن حرية ممارسته وحرية المعتقد و تلتزم بحرية الفكر كسلوك فلسفي معرفي و اجتماعي. و يستمد الفكر النسوي جذوره من دراسة الواقع و من المعرفة الإنسانية و يرفض الهيمنة و الاستبداد كما يطالب بالحق في الاختلاف و الحق في المساواة و يتصدى للجهل ويتوق إلى حرية الفكر لبلورة خطاب ثقافي بديل يعتمد المعلومة العلمية و الدراسة الميدانية من أجل الارتقاء بوعي المجتمع و التصدي للأمر الواقع و المألوف و إرساء تقاليد احترام حق الاختلاف و حق النقد والاصداع بالكلمة الحرة.

منية العابد

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose